محمد طاهر الكردي
129
التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم
ثم قالت : كل حي ميت وكل جديد بال وكل كبير يفنى ، وأنا ميتة وذكري باق تركت خيرا وولدت طهرا ، ثم ماتت - قالت أم أسماء : فكنا نسمع نوح الجن عليها فحفظنا من ذلك هذه الأبيات : نبكي الفتاة البرة الأمينة * ذات الجمال العفة الرزينة زوجة عبد اللّه والقرينة * أم نبي اللّه ذي السكينة وصاحب المنبر بالمدينة * صارت لدى حفرتها رهينة قال في تاريخ الخميس : ثم قدمت به صلى اللّه عليه وسلم أم أيمن رضي اللّه تعالى عنها إلى مكة بعد موت أمه بخمسة أيام - ا ه - فالذي يظهر لنا واللّه تعالى أعلم : أن أم النبي صلى اللّه عليه وسلم لم تمرض كثيرا في طريقها إلى مكة ، بل إنها وصلت إلى الأبواء في هودجها سالمة ثم مرضت بها يوما أو يومين ثم ماتت ، فلو مرضت كثيرا في قرية الأبواء ، لحصل لها ولابنها " محمد " صلى اللّه عليه وسلم وهو طفل صغير ولحاضنته أم أيمن رضي اللّه تعالى عنها ، تعب عظيم وحزن عميق وإرهاق شديد ، ولأرسل جده عبد المطلب من مكة من يتعقب أخبارهم ، فاللّه سبحانه وتعالى كريم رحيم ، لطيف حكيم ، خبير عليم . وحيث ماتت أم هذا الطفل النبي الكريم عليه الصلاة والسلام بالأبواء ودفنت بها ، سارعت حاضنته أم أيمن بمواصلة السفر من الأبواء ، فقدمت بمحمد صلى اللّه عليه وسلم إلى مكة بعد خمسة أيام من موت أمه ، فكفله جده عبد المطلب وضمه إليه ورق عليه رقة شديدة لم يرقها على أولاده ، وكان يقربّه منه ويدخل عليه إذا خلا وإذا نام ، وكان عبد المطلب لا يأكل طعاما إلا قال : علي بابني . فيؤتى به إليه ، ولقد قال يوما لحاضنته أم أيمن : لا تغفلي عن ابني فإن أهل الكتاب يزعمون أنه نبي هذه الأمة ، ثم لما حضرت عبد المطلب الوفاة أوصى أبا طالب بحفظ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . فمما تقدم يعلم أن الأبواء هي منتصف ما بين مكة والمدينة ، فإن المسافة بين البلدتين بالجمال عشرة أيام ، والأبواء كانت هي طريق القوافل بين مكة والمدينة من قديم الزمان ، ثم في عصرنا الحاضر أي منذ ( 1354 ) ألف وثلاثمائة وأربع وخمسين هجرية تقريبا هجرت طريق الأبواء ، واتخذ الناس وادي " مستورة " المسمى بوادي " ودّان " طريقا لهم بين البلدتين الحرامين ، وذلك منذ امتداد خط الإسفلت فيه للسيارات أي الأوتومبيلات ، وهذا الوادي هو في محاذاة الأبواء بينهما أقل من أربعين كيلو مترا كما سيأتي بيان ذلك .